عبد الملك الجويني
371
الشامل في أصول الدين
كتاب العلل [ الأحوال ] اعلموا أن أحكام العلل تترتب على ثبوت الأحوال . وسبيلنا أن نستقصي القول في الأحوال ، وندل على الصحيح من المذاهب فيها ، ونذكر تفاصيلها ، ثم ننعطف بعدها على أحكام العلل . وأول ما نفتتح الكلام فيه فرض صورة يتحقق فيها الاختلاف في نفي الحال وإثباتها ، ثم تنحصر بعدها سائر الصور في الاختلاف . فإذا قام العلم بمحل وسمي محله عالما ، فالذي صار إليه معظم أهل الكلام من أهل الحق وأسلاف المعتزلة ، أن العلم إذا قام بالمحل واتصف المحل بكونه عالما ، فكونه عالما غير العلم القائم به ، وليس بحال زائد عليه . وذهب ابن الجبائي إلى أن العلم ، إذا قام بمحل اقتضى له كونه عالما ، فكونه عالما حال زائد على العلم والذات ، وهو المعلول والموجب ، والعلم علته وموجبه . وردد القاضي جوابه في نفي الحال وإثباتها ، ولم أر له فيما عثرت عليه من مصنفاته قطعا بأحد المذهبين ، ولكنه سلك الطريقين فينفي الحال مرة ويثبتها أخرى ، ويجري قواعد الأصول على الطريقين ، ليستبين للناظر استمرار الأصول على المذهبين جميعا . ثم لا يختص الاختلاف في الحال بالصورة المتقدمة ، بل كل معنى يشترط في قيامه بمحله حياة محله ، فهو عند مثبتي الأحوال يوجب حالا لمحله ، فتندرج تحت ذلك القدرة والإرادة وما ضاهاهما من الصفات المشروط في ثبوتها الحياة ، والحياة نفسها توجب حالا أيضا عند هؤلاء . فأما ما لا تشترط في قيامه بمحله الحياة كالأكوان والألوان والطعوم والأراييح ونحوها ، فقد قال ابن الجبائي ومن وافقه في القول بالحال : إن الأكوان توجب لمحالها أحوالا وتتنزل منزلة الصفات التي تشترط في ثبوتها الحياة . فأما ما عدا الأكوان من ضروب الأعراض التي لا تشترط فيها الحياة ، فقد قطع ابن الجبائي بأنها لا تقتضي أحوالا . وردد القاضي في « الهداية » و « النقض الكبير » جوابه . والذي يقتضيه قياسه على القول بالأحوال ،